سيد محمد طنطاوي
401
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - : * ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) * شروع في بيان تفاوت أحوال بني آدم في الآخرة ، بعد بيان حالهم في الدنيا . ولفظ * ( يَوْمَ ) * منصوب بفعل محذوف ، أي : واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم . والمراد بإمامهم هنا : كتاب أعمالهم . وقد اختار هذا القول الإمام ابن كثير ورجحه فقال : يخبر اللَّه - تعالى - عن يوم القيامة ، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ، وقد اختلفوا في ذلك . فقال مجاهد وقتادة أي : بنبيهم ، وهذا كقوله - تعالى - : ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ . . . وقال ابن زيد : بإمامهم أي بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع ، واختاره ابن جرير . . . وروى العوفي عن ابن عباس في قوله : * ( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) * أي : بكتاب أعمالهم . . . وهذا القول هو الأرجح لقوله - تعالى - : وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ ، وقال - تعالى - : ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه . . ويحتمل أن المراد بإمامهم : أن كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء - عليهم السلام - ، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم في الكفر . . . وفي الصحيحين : « لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت . . . » الحديث . . . ثم قال - رحمه اللَّه - ولكن المراد هاهنا بالإمام ، هو كتاب الأعمال « 1 » . والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس من بني آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا ، بكتاب أعمالهم الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم للَّه فقال - تعالى - : * ( فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَه بِيَمِينِه فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ ، ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) * . أي : فمن أوتى من بني آدم يوم القيامة ، كتابه بيمينه ، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته ، فأولئك السعداء يقرؤن كتابهم بسرور وابتهاج ، ولا ينقصون من أجورهم قدر
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 52 .